«حق الإنسان أن يكون مفهوماً» وأزمة الهوية المعاصرة 2-2

عمان1:لم تعد استراتيجية التجاهل خياراً للتعامل مع أزمة الهوية المعاصرة، التي تفرضها ثلاثة عناصر متداخلة. أولها تقنيات الاتصال المعاصرة التي حررت ديناميكا تشكل الهويات وتحللها من إملاءات الجغرافيا. والثاني تغير في مضامين رؤية الهوية لذاتها ومطالبها من الآخرين، فالهوية تطالب بما هو أكثر من الاعتراف بوجودها، إلى فرض قواعد التعامل معها على الآخرين. والثالث هو كسر احتكار الدولة ومؤسساتها لتشكيل هويات مواطنيها والتعبير عنها، وبرزو فاعلية الأفراد والتنظيمات التي تفرض مسارات موازية (وأحياناً متعارضة) مع منطق الدولة وادواتها.  

إن الهوية منتج للتفاعل مع البيئة بكل عناصرها، من ممكنات التقنية وأدواتها، والمخزون الثقافي وميراث الجغرافيا، وحضور الهويات الأخرى. ومما يستدعي الآن تطوير مقاربة متعلقة بالفهم المتبادل بين الهويات، هو تحول عدم الفهم المتبادل وسيلة للاقصاء والتهميش، ومبرر للفعل الاحتجاجي العنيف. وأشار الرئيس ماكرون لذلك بقوله: «هناك في أماكن كثيرة أفراد يشعرون بأنهم غير مفهومين... ويرتكبون الأسوأ». إن ارتباط الأمن بالفهم المتبادل والادماج، يتطلب منظور فكري ثقافي معرفي جديد. فلقد تجاوزت تحديات اللحظة الإنسانية المعاصرة يوتوبيا الحداثة وتصوراتها. فصناعة الجهل وتقنيات التضليل إحدى معضلات الحداثة، التي تهدد الفرضية المركزية لميراث التنوير وهي: «ضمان وحدة المجتمعات الإنسانية بالعقلانية الكونية للعلم والتكولوجيا». فلم يعد الجهل خط يفصل الحداثة عن ما قبلها، بل صناعة تنتجها، ولكنها تعيها.   

صحيح أن هذا التحدي، لا تستلزم الإنقلاب على المضمون المعرفي لعصر التنوير الذي صاغ الوعي الإنساني لاستيعاب منتجات الحداثة ومعضلاتها، ولكنه ستدعي تقديم أدوات ووسائل معرفية جديدة. وحيث يمكن اعتبار فكر التنوير تطويراً لبذور العقلانية في الفلسفة الإسلامية، واعتبار بودلير وكانت، وغيرهما، تعميق لاطروحة أولوية العقل، وتعالي الإنسان على المعرفة عند ابن رشد، ومنحها مضموناً جديداً. فإن المطلوب الآن تعزيز تعالي الإنسان عن المعرفة التي ينتجها، وتحريره من ازمة الهويات التي يصوغها لنفسه. فالتجربة التاريخية تثبت تعالي الإنسان، وأن المعرفة والهوية منتجات إنسانية غير أبدية. 

وإنطلاقاً من أن اختلاف الثقافات والهويات حقيقة موضوعية، وركن من أركانها، كما هو التشابه، فإن من الضروري تكاملهما للتحرر من التضليل وصناعة الجهل. إذ أن أطروحة حق الإنسان أن يكون مفهوماً، التي توضح إدراك الاختلاف والتشابه وتكاملهما، تمثل أساساً موضوعياً لتشكيل منظور جديد، يجعل الفهم الموضوعي المتبادل بين الهويات واجباً مشتركاً لكل الثقافات، وضرورة لضمان تعالي الإنسان عن كل منتجاته وادواته. 

إذ أن الإنزلاق نحو دوامة السجال المفروض الآن بين الثقافات والهويات، سيفضي إلى مزيد من الصراع والإرهاب والعنف. فوجود أفراد ومواطنين «ليس لهم نفس النظرة للعالم» يضع العالم أمام خيارين: الأول هو السماح باستمرار «جنون العالم المعاصر وفظاظته وقسوته» على حد تعبير الرئيس ماكرون، والثاني، بناء مقاربة ثقافية فكرية، تمكن من إعادة الروح للفكرة النبيلة للتنوير: تطوير مقاربات فكرية تعزز المشترك دون إلغاء الاختلافات.

لقد تحققت الفاعلية السياسية للعديد من أفكار ومقترحات عصر التنوير عبر القرنين الثامن والتاسع عشر بعد عقود، والمنظومات المستقبلية تنطلق من خيارات لحل المعضلات الراهنة وضمان عدم استمرارها. وفكرة حق الإنسان أن يكون مفهوماً مبادرة لضمان خلو المستقبل من مشكلة راهنة. وكما وصف كينز علاقة الأفكار بصناعة السياسات، ووظفها «بول صامويلسون» لتبرير كتابه عن الاقتصاد: «السياسيون عبيد لأفكار نافقة (defunct)... وقلة من رجال السياسة من يتأثر بالأفكار الجديدة بعد تجاوزه عمر الخامسة والعشرين». فالتجربة تلزم أهل الحاضر تطوير أفكارهم الآن، لصناعة مستقبل يحل معضلات ماضيه القريب ويتجاوزها. 

جمال الطاهات - الدستور