التنوير والتطور الوظيفي للمعرفة 1-3

عمان1:قيمة المعرفة وغاياتها، كانت إحدى الهواجس الإنسانية، التي استهلكت طيف واسع من إجابات سؤال «جدوى الجهد المعرفي». وقد ارتبطت الإجابات على هذا السؤال، بتصور قائم على الافتراض: أن غاية المعرفة مستقلة عن وجودها، وما على الإنسان إلا تحصيل المعرفة، لتحقيق الغاية منها. وقد أشرت في مقال، عن غايات المعرفة، عام 1987، نشر في مجلة منتدى الفكر العربي، إلى غايتين مستقلتين عن الجهد المعرفي: (النجاة من الضلال) كما عبر عنه الغزالي بكتابة الشهير «المنقذ من الضلال». ثم تلاه موقف الثورة العلمية، الذي عبر عنه فرانسيس بيكون، بالسيطرة على الطبيعة. وبقي التحدي الأكبر الذي واجهته الثورة العلمية، هو «أدواتية المعرفة»، والافتراض أن قيمتها، موجودة خارج الممارسة المعرفية، وبشكل مستقل عنها.
المرحلة الاولى للتنوير، كرست التصور الوظيفي للمنهجية العلمية، واكتفت بالإشارت لمعضلة فرضية وجود الحقيقة المستقلة عن الممارسة المعرفية. وتم تجاوز السجال الثقافي حول استقلال الحقيقة عن الممارسة العلمية، في المرحلة التالية على القرن السابع عشر، بالمقاربات التنويرية التصالحية. فتمسك المتحمسون للعلم بتوضيح واستظهار قيمته الوظيفية، بديلاً للسجال، وتكريساً للمصالحة عبر التعايش الإقصائي، والتجاهل المتبادل مع أبعاده الروحية والفنية. وظهر نموذج العلماء الفنانين، والعلماء المتدينين، دون أي سعي من أي جانب لتوظيف الآخر. لويس باستور كان تدينه صوفياً وقوميته خجولة. ودرس الرسم وبرع به، قبل أن يتحول لدراسة الكيمياء والفيزياء. وتجلت علميته بمقاربات تطبيقية تبحث عن تقديم حلول للمعضلات الإنسانية، ومنها معضلته الشخصية، حيث مات ثلاثة من اولاده اطفالاً بسبب الأوبئة.
رواية نجيب محفوظ، «أولاد حارتنا»، ربطت الثورة العلمية، بتطوير الوسائل، وإتاحتها للإنسان، وربطت العلم بالتقنية. واكتفت لتظهير تاريخية المعرفة، بتقديم تسلسل زمني لتصورات الإنسان عن الحياة والطبيعة، وارتباط هذه التصورات بفاعليته فيها. وتجاهلت معضلة علاقة منتج المعرفة (وحقائقها) بممارستها. فالرواية قدمت المعرفة كأصداء لصوت مجهول المصدر يقود إلى حقيقة ما. حتى العلم، تم ربطه بمحتويات جراب يحمله غريب وصل للحارة.
الدكتور عبد السلام، أول مسلم يحصل على جائزة نوبل في الفيزياء، انتبه إلى أهمية توطين البحث العلمي، كشرط لشراكة مجتمعاتنا في مسيرة التقدم. ووصف، الفرق بين شراء منتجات التكنولوجيا والبحث العلمي. وبنيت مقالاته «ونصائحه» على تصور للعلم، كمنهجية للبحث، تم انجازها. والمطلوب ليس اكثر من استحضارها إلى جامعاتنا، ومراكز الأبحاث في بلادنا، بطريقة قد لا تختلف عن طريقة شرائنا للمنتجات التكنولوجية. ولكنه تجاهل المعضلة الثقافية المرتبطة بالفرضية الأساسية للمنهج العلمي: مفهوم الحقيقة المستقلة عن الممارسة المعرفية.   
القرن العشرين، هو قرن مراجعة فكرة استقلال الحقيقة عن الممارسة المعرفية، وبدء ممارسة الضغوط عليها، بتزامن مع التحولات في الممارسة العلمية، وآلية انتاج وتطوير المفاهيم العلمية، ومراجعة فكرة الموضوعية، كدليل على وجود الحقيقة المستقلة عن الممارسة المعرفية.
القرن الواحد والعشرين، عصر هيمنة الجهد المعرفي على الحقيقة، التي فقدت براءتها وحيادها، وقدرتها على صيانة فرضية استقلالها، ووجودها الموضوعي الذي بحثت عنه البشرية آلاف السنين. وأصبحت منتج تركيبي للجهد المعرفي المنظم. وبدأت (مؤخراً) الممارسة المعرفية، تتجاوز «وتتجاهل» الحقيقة (كوجود مستقل عن الممارسة المعرفية)، لتكريس القيمة الوظيفية والتطبيقية للمعرفة. واندغمت الممارسة المعرفية بالحقيقة الموضوعية، التي فقدت نقطة اسنادها المرجعية. وتداعى حلم إقليدس، بالسعي لنقطة ثابتة لتحريك العالم، ليس فقط بتطور الهندسة غير الإقليدية، ولكن بتطور وازدهار الممارسة المعرفية التي حولت الحقيقة: من معيار موضوعي لتقييم الممارسة المعرفية، إلى منجز يتم تحصيله، وانتاجه بنظام إحالات يكتسب قيمته بوظيفته، دون الحاجة لمنظومة مرجعية مستقلة.  

جمال الطاهات - الدستور