المثقف والتنوير: 2/2...الموقف

عمان1:إن الحسرة على تهميش المثقف في العالم العربي، استجابة غير صحيحة لتحدي التنوير. فلا تقاس الآلام، والتحديات بحجم الحسرات. فالألم لا ينقضي بالحسرة، ولكن بامتطاء صهوة الواقع، واجتياز ضيقه الذي يتلبس حدود حضورنا، واصطفاء بعضه، لنمنح المعنى «لحادثة الحياة». إن امتهان المثقف في العالم العربي، هي أزمته، المتجددة بين قطبين: «لعن العطاشا للغيوم إذا لم تسقهم»، ورفض الهطل من «سحائب ليس تنتظم البلادا».

في صراع محمود درويش مع «واقع لا يجيد قراءته»، اكتشف أن خياله «لم يعد يكفيه ليكمل رحلته وحيداً». واستعاد من رمل الغياب سؤال جلجامش العظيم: من انا وحدي؟ فهذا هو مفتاح اكتشاف المعنى، كسبيل وحيد لتجاوز الألم المنحوت على مقاس الحضور الفردي. فألام التهميش التي يشكو منها المثقف، هي الخوف والهروب من تجرع مرارة الإجابة على سؤال «من أنا وحدي».

قدر المثقف، أن يواجه معضلة التنوير ومفارقته. توسيع هامش الفردية لحماية الجماعة وتعزيزها. فالتنوير هو امتلاك الشجاعة على المضي وحيداً دونما مرشد او دليل، ولكن بالحفاظ على اناقة وقدرة على الادهاش تمنح الجماعة ملمحاً جديداً ما كان ليكون دون المثقف. الشاعر الفرنسي «شارل بودلير» امتلك الشجاعة للمضي في هذه الرحلة. فلم يستطع الإمبراطور لويس بونابرت، بكل أحلامه، ومنجزاته التي بنيت على حصاد هزيمة كومونة باريس الأولى، وكل ما امتلكه من قدرات على تتفيه المثقف، ان يهزم (الداندي) الذي ادهش باريس، وخرجت تغني قصائده في جلسات محاكمة قصائد ديوان «ازهار الشر».

صحيح أن ميراثنا مختلف. فنحن من ورث آلام التفرد العظيم وأحزانه. والكثير من أحزاننا هي ناتج ترقبنا، انكسار لا يكتمل بالموت، وانتصار ناقص وعاجز عن منحنا معنى الحياة، وغد يهرب من أيامنا التي يلتهمها غبار الماضي. ولكن هذا لا يعني استحالة تحويل الهوامش إلى نقاط اسناد لتحريك العالم. إقليدس في حواراته لم يكن يبحث عن المتون، بل كان يبحث عن نقطة منسية في هامش قصي، يحرك منها العالم. فالتنوير ليس منتج السياسيين، بل منتج المثقفين الذي استطاعوا استرداد مركزية الواقع، وحرموا السياسي قدرة الخروج عليه. الرئيس الفرنسي ماكرون الذي أدهش المثقفين بتعيين صاحبة دار للنشر وزيراً للثقافة الفرنسية، لم يكن ليكون لولا ميراث دهشة (الداندي) في أشعار بودلير، ولولا ميراث آلاف المثقفين والفنانين (المدهشين) الذين اصروا على نحت وجودهم البهي ضد بشاعة جدران التفاهة.

فالمثقف العظيم الذي يعيد تشكيل الوعي «لا تنتجه الأمم إلا مرغمة». وليس أمامه إلا انتزاع الغد، واحضاره للآن من جوف الغياب، بالقدرة على امتطاء الحزن والتعاسة لانتاج الفرح والجمال. وهذا ليس خياراً من خيارات، بل هو قدر ليس أمام المثقف إلا أن يرسم ملامحه برحلته الخاصة.

فخوف السؤال عن السر الدفين، إعلان لمأساة تنتظر الحضور. فسؤال شكسبير في روميو وجولييت، «لماذا كان الوجود، ولم يكن العدم والفوضى؟» لم يكفي ليمنع المآساة، ولكنه محاولة قصوى للاحتجاج ضد أحزان التعاسة. ولكن للأسف حصول المأساة برهان بعدم جدوى الاحتجاج. وعلى المثقف تجنب خوف السؤال، واتباع نصيحة أبي العلاء المعري الذي قدم بديلاً لاصطياد العنقاء، «وعاند من أطاق له عنادا»، بالتمسك بالفكرة التي تؤسس لشجاعة متجددة على امتطاء حكمة استرداد الواقع.

فالتنوير شعلة لا يطلقها السياسي وإنما المثقف، لتنير الدرب حتى يسترد الواقع المعاش مركزيته، بديلاً للواقع المشتهى الغائب. قدر المثقف أن يضيئ المتون من الهوامش. والفرصة متاحة، بأنسنة الطرائق الجديدة لتلبية الحاجات الأبدية للإنسان، والتصدي للتضليل وتغريب الفرد عن واقعه المعاش.

جمال الطاهات

المصدر : الدستور