تونس تبلغ مرحلة وبائية حرجة

عمان 1 : بات الوضع الوبائي في تونس يثير الكثير من القلق، خاصة بعد ارتفاع عدد الإصابات بفيروس كورونا إلى 10732 إصابة وتسجيل 159 حالة وفاة، وسط مطالب شعبية بإعادة فرض الحجر الصحي الشامل وإغلاق الحدود.

أعلنت وزارة الصحة التونسية، الأحد تسجيل 996 حالة إصابة بمرض "كوفيد- 19" و5 وفيات جديدة بتاريخ 18 و19 أيلول 2020، مشيرة إلى أن عدد المصابين الذين وقع التكفل بهم في المستشفيات بلغ 198 مريضا، بينهم 60 في العناية المركزة و28 تحت جهاز التنفس الاصطناعي.

وعلى ضوء التزايد السريع للعدوى بفيروس كورونا، أطلق عدد من المواطنين حملة على مواقع التواصل الاجتماعي يطالبون فيها بإعادة فرض اجراءات الحجر الصحي الشامل وغلق الحدود ولو بشكل مؤقت لفسح المجال أمام إعادة السيطرة على حلقات العدوى.

 كما طالب ناشطون وزارة الصحة بكشف الوضع الحقيقي للمستشفيات العمومية بعد تداول فيديوهات على شبكات التواصل الاجتماعي لمصابين فارقوا الحياة أمام المستشفيات بسبب غياب أجهزة الانعاش.

بالتزامن مع ذلك، يقود أيضا عدد من الأطباء التونسيين مبادرة لإعادة فرض الحجر الصحي الكامل لمدة ثلاثة أسابيع وحظر التجوال الليلي من الساعة العاشرة مساء حتى الساعة السابعة صباحا، مع إيقاف جميع الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية غير الضرورية، وفرض إجراء التحاليل المخبرية على الراغبين في القدوم إلى تونس.

ونبه الممضون على المبادرة السلطات التونسية من "الخطر المؤكد والوشيك الناجم عن استنفاذ طاقة استيعاب المستشفيات في ظل الانتشار السريع للعدوى بفيروس كورونا والزيادة المستمرة في الحالات الخطيرة التي تتطلب العلاج في المستشفى والإنعاش".

وفي هذا الصدد قال رئيس قسم طب نفس الأطفال بمستشفى ماتز بفرنسا والخبير المعتمد لدى محكمة التعقيب في مدينة ميس، الدكتور غازي الدالي (أحد الممضين على المبادرة) إن

تطبيق الحجر الصحي الشامل لفترة مؤقتة سيمنح فرصة للمستشفيات التونسية من أجل معالجة الحالات الحرجة والتخفيف من طاقة الاستيعاب التي توشك على النفاد.

وأضاف الدالي في تصريح لـ "سبوتنيك"، أن هذا الإجراء سيسهل عملية حصر العدوى وتجفيف المناطق الحمراء التي تشهد انتشارا كثيفا للفيروس، مؤكدا أن هذا الحل هو الوحيد القادر على السيطرة على الوباء والتقليص من حجم الإصابات.

كما دعا الدالي إلى إيقاف الأنشطة غير الضرورية لمدة وجيزة تتراوح بين أسبوعين إلى ثلاثة والإبقاء فقط على الأنشطة الحياتية، وهي فترة يعتبر الدالي أنها ستكون بمثابة الهدنة للهياكل الصحية التي أصبحت غير قادرة على السيطرة على الوضع الوبائي.

وشدد الدالي على ضرورة فرض إجراء الاختبارات على الأشخاص القادمين إلى تونس يثبت خلوهم من الفيروس، وفرض الحجر الصحي الإلزامي على الممتنعين لمدة 14 يوما على حسابهم الخاص.

الحجر لم يعد الحل

في المقابل، أكد عضو اللجنة العلمية لمجابهة فيروس كورونا، الحبيب غديرة، في حديثه لـ"سبوتنبك"، أن تطبيق الحجر الصحي الشامل لم يعد الحل المناسب لمجابهة النسق المرتفع للإصابات بمرض "كوفيد-19".

وأضاف أن هذا الإجراء لم يعد له معنى بالنظر إلى أن الفيروس سيتعايش مع التونسيين لفترة طويلة قد تصل إلى العامين أو أكثر.

وأوضح غديرة أن تطبيق الحجر الصحي الشامل لم يعد له مردودية كما في الفترة الأولى التي تميزت بقلة انتشار حالات العدوى، مضيفا: "أما وقد بلغت تونس مرحلة التفشي المجموعاتي فإن تطبيق الحجر الشامل سينعكس سلبا على المواطنين".

وبيّن عضو اللجنة العلمية أن "عددا كبيرا من المصابين ما يزالوا في مرحلة الحضانة ولم تظهر عليهم الأعراض، وبالتالي فإن حصرهم في أماكن مغلقة مع بقية أفراد العائلة وخاصة كبار السن سيتسبب في توسيع حلقات العدوى".

وشدد غديرة أن الحل يكمن في تعويض الحجر الحيثي بالحجر الآلي المتمثل في تطبيق الاجراءات الوقائية الفردية من لبس الكمامات وغسل اليدين والحفاظ على التباعد الجسدي، واحترام البروتوكولات الصحية الخاصة بالمقاهي والمطاعم والمساجد والمدارس وغيرها من الفضاءات التي قد تشهد اكتظاظا.

تحذير من سيناريو كارثي

حذّر غديرة من قرب مواجهة تونس لسيناريو وبائي كارثي في حال استمرار الوضع على ما هو عليه، قائلا إن "عدد المصابين المقيمين بالمستشفيات قد بلغ 200 مصاب إلى حد اليوم، وهو عدد على أهميته لا يعتبر مقلقا، لكنه سيصبح كذلك في ظل التصاعد والتكاثر السريع لعدد الحالات الحاملة للفيروس التي تتضاعف كل خمسة أيام".

وأضاف: إذا تواصل الوضع الوبائي بهذا النسق، فإن تونس وبحلول شهر واحد ستكون في مواجهة 2000 مصاب ممن يتطلب وضعهم الصحي العناية بهم في المستشفيات، منبها إلى أن الهياكل الصحية لن تكون قادرة على استيعاب هذا العدد الهائل من المصابين وهو ما سيخلق حالة من الشلل.

وأشار غديرة إلى أن تونس تعاني منذ سنوات من إشكاليات في إيواء المرضى الذين يحتاجون إلى أسرة إنعاش، وبيّن أن أزمة كورونا كشفت عن شح كبير في الموارد البشرية من أطباء إنعاش وممرضين وتقنيين.

وأضاف أن "الإشكال الحقيقي لا يكمن في غياب أسرة الإنعاش وإنما في نقص أطباء الإنعاش الذين لا يتجاوز عددهم 160 طبيبا في المنظومة العمومية و250 في المنظومة الخاصة مقابل 500 طبيب في الخارج"، محذرا من أن المستشفيات العمومية قد تتجاوز طاقة استيعابها في الأيام المقبلة.

كما أشار عضو اللجنة العلمية لمجابهة فيروس كورونا إلى أن تونس ما زالت تمتلك فرصة أخيرة لتجنيب البلاد كارثة صحية حقيقية، وذلك عن طريق التزام المواطنين باجراءات الوقاية الذاتية، مؤكدا أن كل مخالفة لقواعد السلامة الصحية ستجابه باجراءات ردعية، مضيفا: "كل مقهى أو فضاء لن يلتزم بتطبيق البروتوكولات الصحية سيغلق فورا".

أعلن رئيس الحكومة هشام المشيشي، اليوم، أنه "لا مجال للعودة إلى الحجر الصحي الشامل"، قائلا إن تونس "تعوّل على مزيد جلب المساعدات والقروض الميسرة لمجابهة كورونا عبر إرساء آليات لتفعيل الدبلوماسية الاقتصادية".

كما أكد المشيشي أن وزارة الداخلية ستعمل على التكثيف من الحملات الهادفة لمراقبة فرض استعمال الكمامات في وسائل النقل والمقاهي والفضاءات التي تشهد تجمعات.