أمريكا تتطور بآلية مستدامة لمعالجة الخلل

الديمقراطية ليست حالة مثالية، ولا تضمن عدم حصول الأخطاء. ولكنها تضمن تصحيحها وعدم تكرارها، أو السيطرة عليها بوسائل سلمية. والديمقراطية لا تعني انتهاء مسيرة التطور، ولا تعني عدم وجود الصراعات الاجتماعية، ولكنها تضمن سلمية هذا الصراع.

الديمقراطية الأمريكية، كما وصفها أليكسيس دي توكفيل، قبل قرابة قرنين، ليست نظاما مثاليا، ولا تعني أن المجتمع الأمريكي مجتمع مثالي. ولكنها تضمن انفاذ سلمية الصراعات في المجتمع. وبعد أكثر من قرن على صور توكفيل للديمقراطية الأمريكية، التي فرضت منظورها عبر أوروبا، وصفها رئيس الورزاء البريطاني تشرتشل: «صحيح أنها ليست النظام المثالي، ولكنها أقل الأنظمة السياسية شروراً». 

لغة الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج بوش الابن، في بيان تعليقه على الأحداث، توضح إلى حد كبير، كيف تفهم الديمقراطية الأمريكية نفسها. هو يتحدث عن مسيرة تصحيح مستمرة، ومهمة جديدة عنوانها: «وضع حد للممارسات العنصرية في البلاد».،

انتفضت أمريكا عندما تعرضت (روزا باركس)، للمهانة والاعتقال. حيث طلب منها ساق الباص في آلاباما، يوم 1/12/1955، تسليم مقعدها لراكب أبيض بعد أن امتلأت مقاعد البيض في الباص. رفضت، واعتقلت، وانطلقت حركة الحقوق المدنية، وهي حركة تصحيح مستمرة، وليست مقاولة أنهت المهمة واستراحت. فهي لم تصفي التمييز ضد السود، ولكنها جعلت ممارسات التمييز العنصري مدانة، لا يمكن الدفاع عنها، ورسمت مسارات لتصفيتها. 

استمرت الحوادث التي تعبر عن ممارسات تمييز شائنة، يتعرض لها المواطنون السود في الولايات المتحدة. ربما أبرزها حادثة الموسيقار الأمريكي الشهير مايلز ديفيز في آب 1959. والذي تعرض للضرب من قبل الشرطة نيويورك، حين شاهدوه بالقرب من المسرح، حيث كان مقرراً أن يقدم حفلته الموسيقية. 

ما يحصل في أمريكا الآن دليل آخر على صحة الديمقراطية الأمريكية، وامتلاكها آليات تصحيح ذاتية. أمريكا التي عززت قيمها بحرب أهلية، وحركة حقوق مدنية زادت مناعتها. والأحداث الآن، ستعزز الديمقراطية الامريكية، ولن تسقطها. أمريكا، بديمقراطيتها التي وصفها أليكسيس دي توكفيل، أصبحت أكبر من أن يحاول طرف خطفها. فالديمقراطية تتجلى وتتعمق بتكريس عظمة الوطن، وتصفية قدرة أي طرف، لان يأخذ الوطن على مقاسه. فما تمنحه الديمقراطية للأوطان، هي المناعة التي تحميها من أن يخطفها أي طرف ويستأثر بها. 

المجتمع الأمريكي، الذي استطاعت ديمقراطيته أن تتحمل حربا أهلية لتصفية العبودية، وبعد قرابة قرن تم استئناف تصفية العنصرية بحركة حقوق مدنية، وهي الآن تدخل مرحلة جديدة، ربما أبرز ملامحها ظهور خط اشتباك جديد، عبر عنه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن، بأنه استمرار للحوار الذي يجب أن لا يتم كبحه، لضمان «أن تصبح أمريكا مكاناً أفضل»، بكل مواطنيها ومن اجلهم. وربما من أجل بقية العالم. صحيح أن ما يجري في أمريكا يعالجه مواطنوها، ولكن نتائجه لن تبقى بين المحيطين. 

مشاهد الاحتجاج الآن، وتفاعلها، ما بين السياسي والقانوني، والجنائي، ليس أكثر من حوارية تاريخية، تأخذ أمريكا، بقواها الداخلية، لمرحلة جديدة. ربما من السابق لأوانه أن نتوقع ملامحها، ولكنها بالتأكيد لن تعيد إنتاج أمريكا كما كانت عليه، قبل 25 أيار الماضي، وانتشار صور فلويد وهو يختنق، تحت قدمي شرطي مدجج بالمواقف العنصرية. فالحدث وصوره دليل على «اخفاق ما» يجب أن يصحح. هناك إدانة حاسمة لما تعرض له فلويد، وبذات الوقت، هناك أيضاً إدانة واسعة لمحاولات الاستثمار السياسي لهذا الحدث. ومنتج الحوارية التاريخية الحالية هو ضمانات أن لا يتكرر هذا الحدث، وذلك بصياغة قواعد جديدة «تضع حداً للعنصرية الممنهجة» في المجتمع الأمريكي.

جمال الطاهات - الدستور